وإذا إعتبرنا أنّ العمليّة الإبداعيّة على علاقة وثيقة بالإنفعال. فهذا يعني أنّ الفن في مفهومه الشامل يقوم أساسا على “حالة التوتّر وليس الإستقرار “
.. فالفنّان التشكيلي في حالة بحث مستمرّ من خلال ما يمكن تسميته بـــ” المغامرة التشكيليّة “التي تبدأ بالوجل أمام بياض ” اللوحة”
وتنتهي عند اللّمسات اللاّأخيرة .وعلى امتداد هذا المسار يتجلّى مخاض مغامرة البحث – المتعة والألم- عن الصيغ الجديدة للتعبير .
سيميولوجيا الصورة والتواصل
إنّ مفهوم الصورة وإنتاجها قائم على مجموعة من الرموز والدلالات التي تضعنا أمام اشكاليّة اللغة التشكيلية ، وهي لغة مرئيّةمتطوّرة عبرآليات القراءة وتنوّعها.
ولإن اعتبرنا أنّ بنية لغتنا خطّية ومتواصلة، بحيث تصلنا المعلومات شفويّا
أو كتابيّا الواحدة تلوالأخرى على امتداد الخيط الزمني فإنّ إدراكنا للصورة شامل ومتزامن، فالمعلومات تنكشف أمامنا في آن واحد .
ذلك أنّ القراءة ناتجة عن مسار العين التي تتنقّل بين الرموز لتؤّسس محور الرؤية .
هذا المسار شخصي وغير محدود في بدايته ، وهو الشيء الذي يجعل من الصورة أحيانا أداة تواصل غير مكتملة . إذ أنّها تمتصّ قراءات وتأويلات مختلفة ناتجة عن طبيعتها المعقّدة .
والقراءة تعني اختراق الحدود التقريريّة ( الظاهر ) ، في محاولة للكشف عن الإيحاء ( الباطن ) لاستخلاص مختلف العلاقات بين العناصرالتشكيليّة والأنساق التعبيريّة . وتتولّد عن ذلك عمليّة التفكيك لكلّ مركّبات الأثر الفنّي ونسيجه الداخلي بغية استجلاء ماتخفيه الرموز والدلالات . وفي الأثناء تتحدّد قناة التواصل بين الباث ( الفنان) والمتلقّي ( القارئ ) عبر الخطاب .
منهجيّة قراءة الأثر الفنّي :
إذا أعتبرالأثر الفنّي نصّا صامتا وسندا أيقونيّا تحكمه مجموعة من الرموز والدلالات ، وهي عناصر قابلة للوصف والإدراك فمن الضروري البحث عن منهج يساعد على قراءة وتحليل هذا العمل الفنّي لكونه إنتاجا إبداعيّا .
كما لا يمكن الحديث عن قراءة واحدة مقابل المناهج المختلفة ، كـالسسيولوجيا وعلم النفس التحليلي وغيرها من المناهج. .
لكن تظلّ القراءة التشكيليّة هي الأقرب للعمل الفنّي ذلك أنّه مقترنا
” بفكرفنان يكتب بأدوات تشكيليّة ” لأغراض إبداعيّة تشكيليّة قبل كلّ شيء .
والقراءة التشكيليّة تمثّل نسيج التواصل بين الرائي والفنان ، و الذي يكشف عن مسارإنجاز العمل وآليّات تحقيقه .
إنّ أولى مفاتيح القراءة تكمن في معرفة العمل الفنّي ضمن سياق الحركات الفنّية التي كوّنت تاريخ الفن ، ومن ثمّ وضعه في مجاله وسياقه التشكيلي ، فقراءة اللوحة التشكيليّة تختلف عن قراءة المنحوتة أو التنصيبة أوالتصميم الفنّي …
مراحل قراءة الأثر الفنّي تشكيليّا / ( اللوحة التشكيليّة )
أ ) تقديم الأثر الفنّي وذلك بتعريف :
الفنان ، العنوان ، تاريخ الإنجاز ، الأبعاد ، المحمل ، مكان الحفظ .
نوع العمل الفنّي :
مثال صورة وجهيّة ، طبيعة صامتة ، مشهد طبيعي ، مشهد بحري …
الموضوع المطروح في الأثر الفنّي :
تحديد ذلك من خلال الامكنة المرسومة، الأشخاص ، كيفيّة تقديم الأشياء …
ممّ يحيلنا إلى المرجع التاريخي ..الأدبي والفنّي …
ب ) تحليل اللوحة ودلالاتها :
—–الخصائص التقنيّة :تبرز هذه الخصائص من خلال التفاعل القائم بين المواد والادوات المستعملة مثال ( ألوان زيتيّة ، باستيل ، حبر،خامات مختلفة …) والمحمل ( قماش ، خشب معدن …) والتي تؤدّي بدورها إلى علاقات تشكيليّة متنوّعة و مميّزة .
ذلك أنّ إدراك وتحليل الخامات يُفضي إلى كشف خصوصيّة المادّة التي أعطت للعمل قوّته ونضارته .
—–البنية والتكوين :إنّ دراسة وتحليل بنية اللوحة ( الهيكلة الداخليّة ) تمكّن من فهم العمل الفنّي /البناء . فالخطوط الرئيسيّة( خطوط القوّة ) هيّ التي تساهم في توزيع العناصر التشكيليّة وتوازنها وبالتالي وضوح عمليّة التأليف ووحدة التكوين ، سواء كان هذا التكوين تشخيصي أو تجريدي ، هندسي أو عفوي …
ولكلّ تكوين خصوصيّته ودلالته التي نكتشفها من خلال : اتّجاهات الخطوط ، النقطة المحوريّة( مركز الإهتمام البصري ) ، الملء والفراغ ، التوازن، الحركة ،تموضع الأشكال، المنظور…
—–الرسم الخطّي :يعرّف الرسّام “ديغا ” الرسم الخطّي بقوله :” الرسم الخطّي ليس شكل بل هو الطريقة التي يرى بها الشكل “
إذ لا يمكن الحديث هنا عن الرسم الخطّي لذاته بل كرسم أوّلي للأشكال والمساحات التي ستجسّدها الألوان .
ذلك أنّه لقي تطوّرا وفق مسار الحركات الفنّية التي تأسّست عبر تاريخ الفن .
وبالتالي لكلّ رسم دلالته التي تبرز من خلال نوعه وطرقه ، مثال:
الوضوح ، الضبابيّة ، حيويّة الخطوط ، ليونتها ، صلابتها…
—–الألوان والإضاءة :إنّ سيطرة مجموعة لونيّة محدّدة وكيفيّة توزيعها تطرح عدّة تساؤلات ، فتشخيص ” مطفّة ” الرسّام تكون في موضع التساؤل لاستكشاف المعاني و المرجعيّات والدلالات الخفيّة التي تتمظهر عبر : التباين ، التآلف ، الفاتح ، الداكن، العاتم، الشفّاف ، الحار ، البارد …
كيفيّة توزيع الضوء ، مصادر الإضاءة .. التباين الناتج عن توزيعات ضوئيّة معيّنة ..
—–فضائيّة العمل الفنّي :
والمقصود به تحليل الفضاء التشكيلي عبر إدراكه وكيفيّة تمثّله وتمثيله . فقد تناولت الحركات الفنّية هذا الموضوع ببالغ الأهمّية محاولة في ذلك ابراز العلاقات القائمة على البعد الثالث أي المنظورالمؤسّس للعمق على مساحة مسطّحة ، وقواعد تطبيقه .
فطريقة تمثيل هذا الفضاء لقي تطوّرا ومفهوما جديدا عبر الحركات الفنّية الحديثة والمعاصرة .
ج ) التاويل ومحاولة فكّ الرموز والدلالات :
البحث عن ماوراء الظاهر ( المعنى والبعيد ) من خلال الكشف عن طرق المعالجة التشكيليّة والتميّز والتجديد بالمقارنة مع التيّارات التشكيليّة والمفاهيم السائدة في عصر ما ..
فكّ الرموز والدلالات التاريخيّة والفنّية ، نوايا الفنّان ، الرسالة المراد تبليغها ..
إنّ مرحلة التأويل و إعادة البناء بعد التحليل والتفكيك تتطلّب وجود معرفة تشكيليّة تضمن تملّك أدوات و آليات قراءة ذات مرجعيّة فنّية . هذا المخزون المعرفي يتأتّى من خلال تحريك ” المتحف الخيالي ” على حدّ تعبير ” أندري مالرو ” .
بقلم : راضية العرفاوي
——————
*المتحف الخيالي / متحف الذاكرة وهو توليفة المخزون المعرفي ( البصريّة ، الحسّية ، المهاريّة ، الوجدانيّة …، روافد ثقافيّة مختلفة)