أنس النداء في ” آنست نايا ” لـ ” راضية العرفاوي “
بقلم الشاعر والناقد: محمد الحامدي /تونس-الكويت
دون مقدمات ، أدخل مباشرة في ممارسة عملي في النبش في نص شاعرتنا ” راضية ” . والحقيقة أني قد أخذت الإذن في ذاك على ما أذكر من الدكتور جمال مرسي ، فأي اعتراض أو شكر أو احتجاج يوجه له ، مع تحياتي الصادقة لشاعرتنا ، واعتزازي بشعرها فأمثالي يا سيدتي يعيشون على أمثالكم ، إن لم تبدعوا متنا جوعا وبطالة …
المدخل / نبش في العنوان : أظن أن باب كل مغلق عنوانه ، والنص كيان يكون اكتماله بتلك النقطة / النهاية التي يضعها صاحبه له ، ومبدؤه العنوان ، فهو بؤرة من الدلالات تبشر بميلاد كيان أدبي وتأخذ بيد القارئ إلى نهج – أيّ نهج – في القراءة .
وإذا عدنا إلى الاسم الذي اختارته شاعرتنا لقصيدتها وجدناه جملة فعلية مركزة ولكنها مكتملة البناء تماما ، فعل وفاعل ومفعول به ، لا فضلة فيها ولا زيادة ، بل إن المفعول به أصل هنا لأن الفعل متعدّ .
الفعل : ماض ، وفي الماضي نوع من التسليم ، على الأقل لأن الحدث وقع ولا سبيل إلى تغييره ، والفعل في معناه مغر ، إذا الأنس مجلبة للانتباه ، وداعية للسلوان ، وكأنه يدفعنا إلى مشاركة الفاعل / ضمير الرفع المتصل ، أنسه وفرحه . من هنا يكون الإخبار في هذه الجملة – أقول هذا إلى حين فقط – غرضه فائدة الخبر ، أي حكاية أنس تجود بها علينا الشاعرة لتؤنسنا أو لنشاركها أنسها . ولكن وبمجرد أن نتخطى ضمير الرفع المتصل نجدنا أمام مفاجأة معنوية تبعث على التريث والتردد ، فالمستأنس به – سادتي الكرام – ناي ، والناي أقل ما يقال فيه إنه مصدر لحن شجي ، والشجى لا يخلو من حزن ، بل متعته في حزنه ، كما الناي تماما ، تعرف شاعرتنا تماما وقع الناي في آذاننا في تلك الاحتفالات الدينية ، شجى حتى التخدير والبكاء … كأن هذا ” التُ ” الدال على الأنا سيحكي لنا قصة أو يخبرنا في أسلوب خبري عن حكاية أنسه مع الأسى ، مع الشجن على الأقل … لذلك فإن توسط ” تُ ” بين الأنس والناي يضع في ذهننا شبهة ، أي نعم شبهة ، لن تفكّ رموزها إلا في القصيدة ، في النص الذي يحمل هذا الاسم ، فتعالوا نر :
الضمائر : عندما وجدت هذه الـ ” تُ ” في العنوان توسمت لعبة بالضمائر منهكة لا محالة .. فعمدت إلى الإحصاء علني أجد فيه ما يبرر خوفي من تلاعب الشاعرة بأرواحنا بوساطة لعبة الضمائر : أحصيت للضمائر الدالة على المتكلم بشتى أصنافها – ومعظمها متصل _ سبعة عشر ( 17 ) ضميرا بالتمام والكمال في اثنين وخمسين سطر شعري معدل كلماته حوالي ثلاث .. وأحصيت تسعة ضمائر للدلالة على المخاطب ، وخمسة على جماعة المتكلمين ( نحن – نا ) وبضعة إشارات إلى الغائب تعلقت بالقديس أساسا .
هكذا يكون لدينا أنّ أكثر الأطراف حضورنا هو ” أنا ” المتكلم ، وهذا يتناسب تماما مع العنوان ، إذ هو كما قلنا إخبار عن الذات … بهذه الصورة نحن أمام حديث ذواتي تنفثه ذات تصف حالها في شكوى أو نداء أو تأس … وكثيرا ما يريحنا الحديث عن كوامن أنفسنا ..إذن نعود – مع حداثة النص بل بالرغم منها – إلى أصالة الشعر في كونه بوحا غنائيا ذاتيا ، فالبوح بحزن النفس للحرف يتم بإسناد كل فعل أو صفة أو اسم إلى أنا المتكلم ، نوع من التصعيد ، وإفراغ شحنات الشجن في الشعر في استعانة بهالة ” الناي ” الدلالية ، أقصد من هذه الناحية يكون ضمير المتكلم منشدا لكلماته ” المحزونة ” مع شجن صوت الناي ، طرب حزين ، وهو معظم تيمات الشعر العربي الغنائي الذي يسمونه جادا … نقول هذا لأن ضمير المخاطب قد حضر تسع مرات فقط ، ولهذا دلالته أن هذا المخاطب حاضر حضور الغائب ، أقصد بلفظ قريب إن لمخاطب مناجى ، منادى ، ومنادى عن بعد ، هو بعد ما بين بوح القصيدة ولهفة الفقد و ” يظل وجهك غامضا ” .. أليس الغموض ضربا من البعد ؟ ضربا من الفقد ؟ ضربا من ” النزف ” ؟؟؟؟ إنّ مجرد استحداث حوار مخاطبة ” مناجاة أو نداء ” بين ” أنا ” حاضرة و” أنت ” غائب هو نوع من البحث عن مفقود ، عن بعيد ، ويتم استحضاره في هالة مما يشبه استحضار الجن أو ” الشعوذة الشعرية ” في جلال من عزف الناي وصلاة قديس .. تدخلنا شاعرتنا في أجواء روحانية غامضة غموض وجه ” أنت ” والوطن … أليست تلك الأجواء الروحية هي في حد ذاتها هروب من اليأس ، وتوق إلى لقاء روحي إذا عزّ اللقاء المادي ، هنا تصبح القصيدة / النداء نشيدا روحيا يتوق إلى ” جلب ” ” أنت ” واستحضاره في قداسة الصلاة وشجن الناي ، فاعزف أيها الناي ، لتعزف الروح معك خيوط وجه المفقود وتقاسم روحه … وليكن اللقاء حتى الاحتراق ، تماما كفراشة تحوم حول بؤر من القبل … ” وأظل مثل فراشة ” ” القبل تطوافها نور .
لكن هذا التوحد الروحي / الشعري ، توحد مختنق إلى حد أن ضمير جماعة المتكلمين ” نحن ” لم يحضر عدا خمس مرات ، قارنه بأنا تجد أن نسبة 5 إلى 17 قليلة ، فالفرد أكثر بكثير من الجمع ، والوحدة أكثر بكثير من الأنس ، والفراشة سـ” تظل تطوف لوحدها ” زمنا لا نعلمه فبه انغلقت القصيدة وانتهت الجولة .. كأن ” نحن ” عسيرة التحقق ، بعيدة المنال حتى في هذا الجو الروحاني التخييلي ، فما أشد عسر التوحد حتى أن “أنا ” عادت عند انغلاق القصيدة للتحددث باسم المستقبل ” المضارع ” فهذا الطواف سيدوم مادام الفعل المضارع متحققا في المستقبل … إذا غلبت الوحدة على الاتحاد في ضمائر النص وضمائر المعنى و ستظل تلك الفراشة تطوف لوحدها … بل إن ضمير الغائب المتعلق بالقديس وصلاته على عزف الناي لم يفرج الكربة ، ولم يخرج ” أنا ” من ” أناها ” . قد لجأت إليه ضميرا غائبا يخلصها التفاتها إليه من ” احتمالات تسفّ كطائر ” … من حلم حتى في الصلاة لا يتحقق … هروب آني إلى الغائب ، ولكنّ ” النزف ” يظل … وهذا تبرره تماما أساليب النص الإنشائية خصوصا :
أساليب الإنشاء : في مقطع واحد وفي تتال إذ تكرر البحث في الإنشاء عن تحقق الخبر ، ” من أين ” و ” قل لي ” و ” يا شيهيد ” و ” وربي ” : استفهام فطلب فنداء فقسم … تكثيف للشوق ، للنداء حتى الرجاء ، للتوكيد حتى القسم ، تكثيف فيه مرارة تخفيها نقط الفراغ في الدوال الشكلية وكأن المعجم يعجز لحين عن تفريغ شحنات المخاطبة في الأساليب الإنشائية الأربعة . بل إنّ البنية الأسلوبية للقصيدة في عمومها قد تراوحت بين وصف الحال خبريا ونداء المحال إنشائيا … فكلما تعلق الأمر بـ” أنا ” كان الإخبار ، وكلما حضر ” أنت ” كان الإنشاء .. لا أريد أن أطيل في البحث عن الدلالات البلاغية للأنشاء والخبر ، فهذا يطيل بنا الأمور كثيرا ، ولكن التراوح بين الأساليب يحمل ذلك القلق ، والقصيدة كلها على قلل ، حتى النهاية التي تبدو حاسمة ” سأظل ” فالحسم فيها حسم فورة روحية ، إذ لا حسم في المضارع إلا على سبيل التوعد ، التوق ، أو في أحسن الحالات التخطيط والزعم ، وما أصعب ا، تتوعد الروح ” الفراشة ” نفسها بالطواف …
في ظل هذا القلق بدا التعقيد في التركيب تقديما وتأخيرا ووصفا وإضافة ، دالا على أو حاملا لهذا التعقيد في الحال ، فكأن القصيدة حلم من هذه الناحية ، وكأن حروفها حكاية لذلك الحلم بما يرد في حكايات الحلم من تقطع وأمور لا تفهم إلا إذا أعدتها إلى سياق الحالم ، وهاك بعضها ” مهب الروح ” ” يزف توقا ” ” من أين أبدأني مدد ” ” رصيف شعره جرحا ثملتُ ” ” الهتون والمطر ” … كا، حالما يحدثنا عما رأى من أضغاث الحلم … ويتناسب كل ذلك مع أجواء الناي وصلاة القديس وطواف الفراشة … فكأن مرد عسر الكتابة عسر الحالة ، وكأن مرد الصورة الشعرية نشأتها في عالم مما فوق الوعي أثناء التوغل الروحي في عالم الفقد والبعد والحوار المناجاة …
مازال الكثير مما يجب أن يقال في نص ثري مفعم شعرا …
قد نعود إلى محاورات قادمة
مع تحياتي لشاعرتنا
قد نعود إلى محاورات قادمة
مع تحياتي لشاعرتنا
الشاعر والناقد القدير محمد الحامدي