الخلاصات:
تدوينات
تعليقات

العناصر الماديّة للعمل التشكيلي
الجهد/ الأداة/ المادّة

 

بقلم : راضية العرفاوي

تعتبر مسألة العناصر المادّيةللعمل الفنّي من بين القضايا المهمّة في الفنون التشكيليّة والتي لاحت مع مفاهيم الحداثة والتجديد منذ مطلع القرن العشرين ، هذا القرن الحافل بالهدم والبناء حيث أسفر عن جملة من الفنّانين المختلفين جذريّا في الرؤى والمواقف
والمضامين والأشكال بحيث نمت التجارب الفرديّة التي اتّسمت بالجرأة والتناول الرافض لكلّ القيم الفنّية الجماليّة الموروثة وذلك بأسلوب لا يخلو من البحث عن المثير والجديد.
وفي خضمّ مختلف هذه التوجّهات الفرديّة التي أثرت مغامرة الفن التشكيلي في القرن العشرين طرحت العديد من المسائل من بينهـــا :

 سيزان وتفكيك المرئي (الثابت)

مازال الغرب في مجمل حديثهم عن الفن الحديث يستعيدون سيرة الفنان سيزان كمقوّض لمفاهيم الفن من العصر اليوناني إلى عصره . وذلك بتأسيس مفاهيم جديدة امتدّت في أعمال لاحقيه من الرواد والفنانين .
لقد قدّم سيزان سلسلة من الاعمال التي تمحورت حول موضوع* الجبل *
غير أنّ أهميّة هذا العمل لا تكمن في مظهره البسيط بل في المعالجة كمعطى تحوّل فيه الواقع الحقيقي إلى الواقع المدرَك ذهنيّا ( أصبح الشكل الحقيقي هوالشكل الذهني)
كمجال لتحرّي الفنّي .
إنّ مشاهد التفكيك المرئي (للثابت) في أعمال سيزان مكّنت عين المشاهد من تمثّل حقيقة العمليّة التصويريّة ومادّيتها من حيث خصوصية المعالجة والإختيارات وطرق التعامل مع مكوّنات العمل التشكيلي وبالتالي التمشّي للجهد المبذول من طرف الفنّان

من هنا أصبح للعمل الفنّي استقلاليّته وتجلّيه الخاص .
هذه الحقيقة المادّية لعمليّة التصوير أصبحت العامل الأساسي للفن الحديث .
لقد أصبح العمل الفنّي يعاش بالمساءلة الموجّهة إليه لا بالقراءة فحسب ، من هنا أصبح من البديهي تمثّل عمليّات الإنزياح عن الواقع المحسوس / المرئي .
هذا الإنزياح الذي مكن الفن من دخول مغامرة تعدّدت فيها التمشّيات والحلول والأساليب والمعالجات والإتجاهات بتعدّد الرواد والفنانين .

*”جبل سانت فكتوار” لوحة للفنان سيزان

 

من التجانس بين العناصر المادّية إلى الإختلاط والتداخل
أصبحت هذه المسألة من ضمن توجهات الفنانين في البحث عن المثير والجديد والإستمرار رغم الهدم . من ذلك نذكر رائد التكعيبين بيكاسو- والتكعيبين عامة -
الذي أدرج تقنية الكولاج والإدماج الفعلي لعنصر مادي من الواقع في العمل التشكيلي
مؤكدا في ذلك على استقلالية العمل الفني واستحضاره لحقيقته الخاصة عبر التناول الرافض للقيم الفنية التقليدية : الجمالية/ الموضوع/ العناصر المكونة
وإنشاء جديد لهدم متواصل (على حسب تعبيره)..
وهي الحقيقة المادية للعمل الفني ; المحمل/ السطح المادي للعمل/ الخامات المستعملة من مواد خام/ الأدوات المستعملة/ آثار الحركة …

خصائص ومعايير جديدة للفن الحديث
أ/
تغيير وتحول في مفهوم الإتساق
من الرؤية التقليدية إلى الرؤية الحديثة
من القواعد الأكاديمية إلى التحرر والتجاوز
ب /
قطع الحدود الفاصلة بين مختلف ميادين الفن المرئي/ فني النحت والتصوير
أفعال وعمليات الحذف والاضافة الربط والتجميع التفكيك التركيب ..وغيرها من أفعال النحت .
ممارسة التصوير في أوضاع جديدة تختلف عن الاكاديميين
ج/
إدراج المجسم كظاهرة تجديد وتجاوز في العمل والمضمون
هنا تغييب جهد الفنان / جسم الفنان وحياده مقابل حضوره عبر اختياراته وقراراته والجوانب الغير معلنة والخفية عبر توظيفه للمجسم ،مثال (الدادائية )
الدادائية…

المجسم في الفن الحديث

منذ سنة 1912 قام بيكاسو بعرض عمله الثوري والمتمثل في الطبيعة الصامتة مع الكرسي المقشّش ،حيث أدرج جزء من اللوح المطلي مع حبل لتجسيم الشكل البيضوي فقد عمل على إدماج عنصر واقعي حقيقي عوض تمثيله إذ أصبح هناك تواصل وحوار بين هذه العناصر المادية والمادة اللونية الصبغية .
لقد كانت تقنية الكولاج هذه شاهدا آخر على التحولات المادية للفن الذي أصبحت حقيقته تتجاوز المعطى التمثيلي للموضوع والعناصر التشكيلية والتكوين بل أصبحت حقيقته المادية متمثلة في :
المحمل ، السطح المادي للعمل ، المواد الخام ، الأدوات ، أثر الفنان الناتج عن حركته الفيزيائية .

و يرجع الفعل الراديكالي في هذه الممارسة (إدماج المجسم ) إلى ” مارسال دوشان “
عن الحضور الفعلي للمجسم كأشياء مستهلكة Les ready-made 1913الذي أعلن من خلال
تجاوزت ( الشيء التمثيلي ) الذي يخرج عن إطار اللوحة ليصبح واقعا ملموسا يتجه بالتصوير نحو منحى جديد
” يجب إدخال وسائل مختلفة نوع ما على التصوير ” هكذا صرح دوشانعبر مواقفه الثورية تجاه الفن ومفاهيم الفن .
إنّ هذا المفهوم الجديد لمادوية العمل التشكيلي عبر إدراج وإدماج المجسّم تمظهر كواجهة للتجديد في الفن التشكيلي وفق اختيارات وتمشّيات ومواقف الفنان المعلنة وغير المعلنة . فالمجسّم أصبح يثير عدة تساؤلات تشكيلية متمثلة في علاقة المجسم /الجاهز بجهد الفنان ، الحضور والحياد ، كما يمكن تنزيل المجسم ضمن جملة من المسائل والعمليات التشكيلية المتمثلة في : التقديم والتحويل والإيحاء والحضور المبهم …

التقديم لماديته وعلاقته بالتصوير / الإدماج
Représenter L’objet // L’expérience cubiste

تحويل الوجهة وتغيير الوظيفة
Détourner L’objet Réel //De duchamp aux surréalistes

اللافهم السخرية التأويل
une société d’objets //pop art et nouveau réalisme

الإخراج المتميز بالدهشة والإثارة : جوزيف بويس – برتران لافيي
Mises en scène de l’objet //Des Mythologies personnelles

الجهـــــــد – الفعل الحركي – التفكير

إنّ ظهور الفن الحديث في فترة شهدت واقعا متغيّرا باستمرار، قد دفعت بالفنانين للتعبير عن هذا الواقع بمعالجات اتّسمت بديناميكيّة ذات الإيقاع المتوتّر والمنفعل والمتغيّر . “إذ لم يعد العمل مجرّد تجميد للحظة ما في عمليّة الإنتاج الحركي ولكنه تمثيل للعمليّة ذاتها، إذ أصبح التصوير الديناميكي / التصوير الفعلاني ” يعتمد على فعل حركة الفنان الحيوية والنشطة والمنفعلة .
ومن هنا تصبح عملية التصوير مشروطة بالقوانين الفيزيائيّة للحركة وما ينتج عنها من كثافة الخطوط وتداخلها وتشابكها وتناغمها وارتجالها .

لقد شهدت هذه الممارسة لدى جاكسون بولوك القاعدة التي من خلالها أوجد مفاهيم جديدة للفضاء التشكيلي ( اللوحات ذات المقاسات الكبيرة /مساحة مسطّحة لإسقاط اللون عليهــــا ) الذي تمارس عليه عمليات الكتابـــــة الآلية باستعمال تقنيـــــات
( السكب* التقطير * أثر اللطخة …) وأدوات ومواد خاصة ( الدهان *علب مثقوبة لسكب الألوان السائلة* عصا …) تساعد على تحقيق نتاجه الفنّي ، وهي تقنيات ومواد وليدة تجربته المنزاحة عن الأساليب التقليديّة .

ممّ لا شكّ فيه أنّ الأدوات والمواد تولّد تقنيات ومعالجات جديدة ، والمعالجات التي تسعى لإبراز الممارسة الفعليّة التحررية التشكيلية تفرض التوجّه نحو ابتكار وتوظيف أدوات بديلة متجدّدة من ناحية النوعية والخصائص العضوية فهي بالتالي تكشف عن صلتها الوثيقة بالمفاهيم الخاصّة بتمشّي الفنان لحظات تجلّي عمله الفنّي .
يقول سولاج ” إنّ اختيار الوسائل هو الذي يعطي النتيجة لما يحدث أثناء عمليّة التصوير ” . فقد كانت التقنية من هواجسه المساعدة على بحثه التشكيلي والذي ميزه كتشكيلي متفّرد أسلوبا ومعالجة ( اعتماد أدوات من قبيل الفراشي الكبيرة الحجم الخاصّة بالدهان ) ويضيف في قوله ” لم تكن المادّة الفقيرة هي التي تعنينا ولكن الجانب العضوي فيها ” * le coté élémentaire *
فلا غرابة إذا أمام تفرّده من رؤية تعامله مع الخامة السوداء من : قطران ، زفت ، إسفلت صباغ مشروب اللوز . فهي مواد لها خصائص عضوية تتفاعل مع الضوء حيث تحمل شحنات مختلفة من التركيز / إمتصاص الضوء / إنعكاس الضوء ، وهي المسألة التشكيليّة التي يشتغل عليها سولاج . كما أن اختياره للأسود لم يكن بدافع رفض الألوان بل هو من قبيل
اللذّة الذاتيّة ، كما صرّح بذلك وأضاف مؤكّدا على أن فعل التفكير في العمل التشكيلي باعتباره يمثّل مادّية التمشّي والخلق والإبداع الفنّي .

لقد أصبح الإهتمام بمادّية العمل التشكيلي ، المحور الرئيسي في الخطاب التشكيلي لفن الحداثة وما بعد الحداثة .
إذ أصبح الفنّان المعاصر يسعى لتأسيس قاعدة سلوك تستدعي الرغبة الجامحة في جعل نتاجه التشكيلي ذو قوّة تعبيريّة تشهد حقيقته واستقلاليّته .
لذا فإنّ مقومات الحداثة في التجارب التشكيلية الحديثة و المعاصرة تطرح الأسئلة الإبداعية الراهنة المتمثّلة في :

* البحث المتواصل عن كيفيّة تطويع التقنيات والأساليب التشكيليّة في إطار ممارسة ومعالجة فنّية تحمل الخطاب المختلف وتبني المواقف الجديدة .
* تطوّر سياقات ومسارات البحث التشكيلي والبصري وانفتاح الرؤية الفنيّة على أفق التجريب عبر الإختيارات التقنيّة والمفاهيم التشكيليّة ذات الحس التفرّدي والتحرّري .
* تجـــــاوز السند والمسطّح والإطار الثابت نحو التعبير بواسطة التركيبات التثبيتيّة أو المحجّمات التي تلتقي فيها بساطة المواد والأشياء بدلالات المعالجة والتركيب والتقديم التشكيلي .
* الإنفلات من توجيه و إرغامات المادّة واللغة نحو الإحتفاء بعفويّة الذات والأثر والرؤية .
* امتلاك المادّة وتشكيلها ومعالجتها وفق اختيارات تقنية معاصرة ( تبديد مادّية الأثر الصبغي وتقويض ارغامات التقنية )
* تحرير الحس الفنّي وتبديد ” مادّية ” اللغة التشكيلية .

بقلم :راضية العرفاوي
2005

 

 

عامل الحواس بين الرؤيا والحلم ( قراءة نقدية في قصيدة آنست نايا )

بقلم الأديبة والناقدة: هيام مصطفى قبلان/فلسطين

آنست نايا في مهبّ الروح : تبدأ الشاعرة النص بصورة حسيّة وذهنية
هي بحدّ ذاتها فتنة الرؤيا التي تجمع الناي كحلم تؤنس به ، وبين دهشة
اليقظة حتى تبدأ بعطائها .
هنا يغلب الاحساس بالرغم من صوت الناي والذي معروف عنه بنغمته
المتقطعة ، المتهدجة ، الناي المبحوح من الآلات الموسيقية التي استطاعت
أن تعبّر عن مكنونات النفس من داخل الجسد والحواس ، حتى ولادة الصرخة
عبر مراحل تستعمل فيها الشاعرة حواسها دون الاشارة اليها .
هذا المؤنس الذي التجأت اليه ليس ببعيد عن روحها لكنه في حيرة حين
تخرج صيحاته سائبة ، .
وتتساءل : من أين أبدأني مدد ؟
ومن أين ( أبدأني) أنا وليس من أين نبدأ ..! عملية انفصال آني عن الناي
وانفراد ذاتي لنفس الشاعرة الذي يتوق الى لذّة الانفرادية في تكوين الذات ،
ففي البداية كان الجرح ومن ثمّ ولادة القصيدة :
شاعرة وربيّ أيّ بنا
ما زلت شاعرة بنا
أهديك عطر تبسّمي
وأعدّ زنبقة ومنديلا
أعدّ محطة الوجع الشريد
تحلف الشاعرة ” بهما” وأنها ما زالت شاعرة / وجهان للمعنى شاعرة انها
تحسّ بهما وشاعرة بهما كأنها تولد منه ويولد منها / له فقط تهدي عطر
بسمتها / نشعر بأن جميع الحواس تعمل ، تلهث وتصخب وتتماهى لتمتزج
في شهيد الحب لولادة بذرة جديدة .

أعدّ زنبقة ومنديلا
أعدّ محطة الوجع الشريد
أعدني
جرحا ثملت رصيف شعره
الزنبقة والمنديل ، جناحان من تجربة الشاعرة والتي نمت داخل ما يسمى
بالتشكيل الصوري والتشكيل اللغوي : فالزنبقة هي الطهر والعفاف ، والمنديل
دلالة على الذاكرة والماضي ، فهي تعدّ له ذاتها في قدسية متناهية
متدثّرة بشكل الزنبقة البيضاء النقية ، وملتحفة بمناديل الذاكرة ، وهنا لا
تنسى شاعرتنا أن تعدّ محطة الوجع وكأنها تدري ما الذي سيكون فتعود
الى نفسها ( أعدّني) جرحا ثملت رصيف شعره / تصل الى مواجع الجرح
الى سرمدية الروح ، تمزج بين نبوءة الذات المدركة وتنافر الأحاسيس حيث
ينبت العشب السؤال /
لك النوى ولك الهوى/ وأنا الهنا المسكونة بصهيل موج
صاخب التحنان – / مناجاة روحية أسدلت الستار على الصوت وحزن النوى
الى صهيل الموج الذي تسكنه ويفيض وجده لتشرق الروح بحرارة الانجذاب
والتوحّد بذات المناجي / بالرغم من كل ما تحمله كلمة النوى والهوى من
تناقض .
يضمنا صمت ثمل
وأغيب في شفتيك
مثل صلاة قديس حزين
يعزف النأيّ
احتمالات تسفّ كطائر
يقتات من حبر الخشوع فواصلا
ضد الغرق
عندما تستحيل شعلة الحياة وأزيزها المتأجّج الى جمرة ثملة من صمت
تغيب بين شفتين ، وتتوهج في وداعة ، هنا يرتقي الحلم الى مرتبة
الرؤيا والنبوءة ، قيجعل نظرتها الى البعد والفراق أكثر رحابة وأقدر على
اختراق طائر فواصلا للنجاة .

ويظل وجهك غامضا مثل الوطن
ويظل نزفك غائرا مثل النغم
وأظل مثل فراشة
تطوفها نور القبل .. !
وهنا تلأبى الشاعرة الاّ أن يظل وجهه بكل غموضه كالوطن وكنغم
” الناي” / هي محاولة بدت صعبة لعملية الانفراج والتوتر في آن واحد
حتى في محاولة البقاء كالنزف الغائر يبقى النغم / وأما الفراشة
في تطوافها فقد لبست ثوبا ” صوفيا” من نور القبل أخفى من فيض
الوجدام المسافة بين الرؤيا والحلم ، في لمس ورعشة ،وألم
وغياب ، ومن ثمّ يقظة … !!

أنس النداء في ” آنست نايا ” لـ ” راضية العرفاوي “

 

بقلم الشاعر والناقد: محمد الحامدي /تونس-الكويت

دون مقدمات ، أدخل مباشرة في ممارسة عملي في النبش في نص شاعرتنا ” راضية ” . والحقيقة أني قد أخذت الإذن في ذاك على ما أذكر من الدكتور جمال مرسي ، فأي اعتراض أو شكر أو احتجاج يوجه له ، مع تحياتي الصادقة لشاعرتنا ، واعتزازي بشعرها فأمثالي يا سيدتي يعيشون على أمثالكم ، إن لم تبدعوا متنا جوعا وبطالة …
المدخل / نبش في العنوان : أظن أن باب كل مغلق عنوانه ، والنص كيان يكون اكتماله بتلك النقطة / النهاية التي يضعها صاحبه له ، ومبدؤه العنوان ، فهو بؤرة من الدلالات تبشر بميلاد كيان أدبي وتأخذ بيد القارئ إلى نهج – أيّ نهج – في القراءة .
وإذا عدنا إلى الاسم الذي اختارته شاعرتنا لقصيدتها وجدناه جملة فعلية مركزة ولكنها مكتملة البناء تماما ، فعل وفاعل ومفعول به ، لا فضلة فيها ولا زيادة ، بل إن المفعول به أصل هنا لأن الفعل متعدّ .
الفعل : ماض ، وفي الماضي نوع من التسليم ، على الأقل لأن الحدث وقع ولا سبيل إلى تغييره ، والفعل في معناه مغر ، إذا الأنس مجلبة للانتباه ، وداعية للسلوان ، وكأنه يدفعنا إلى مشاركة الفاعل / ضمير الرفع المتصل ، أنسه وفرحه . من هنا يكون الإخبار في هذه الجملة – أقول هذا إلى حين فقط – غرضه فائدة الخبر ، أي حكاية أنس تجود بها علينا الشاعرة لتؤنسنا أو لنشاركها أنسها . ولكن وبمجرد أن نتخطى ضمير الرفع المتصل نجدنا أمام مفاجأة معنوية تبعث على التريث والتردد ، فالمستأنس به – سادتي الكرام – ناي ، والناي أقل ما يقال فيه إنه مصدر لحن شجي ، والشجى لا يخلو من حزن ، بل متعته في حزنه ، كما الناي تماما ، تعرف شاعرتنا تماما وقع الناي في آذاننا في تلك الاحتفالات الدينية ، شجى حتى التخدير والبكاء … كأن هذا ” التُ ” الدال على الأنا سيحكي لنا قصة أو يخبرنا في أسلوب خبري عن حكاية أنسه مع الأسى ، مع الشجن على الأقل … لذلك فإن توسط ” تُ ” بين الأنس والناي يضع في ذهننا شبهة ، أي نعم شبهة ، لن تفكّ رموزها إلا في القصيدة ، في النص الذي يحمل هذا الاسم ، فتعالوا نر :
الضمائر : عندما وجدت هذه الـ ” تُ ” في العنوان توسمت لعبة بالضمائر منهكة لا محالة .. فعمدت إلى الإحصاء علني أجد فيه ما يبرر خوفي من تلاعب الشاعرة بأرواحنا بوساطة لعبة الضمائر : أحصيت للضمائر الدالة على المتكلم بشتى أصنافها – ومعظمها متصل _ سبعة عشر ( 17 ) ضميرا بالتمام والكمال في اثنين وخمسين سطر شعري معدل كلماته حوالي ثلاث .. وأحصيت تسعة ضمائر للدلالة على المخاطب ، وخمسة على جماعة المتكلمين ( نحن – نا ) وبضعة إشارات إلى الغائب تعلقت بالقديس أساسا .
هكذا يكون لدينا أنّ أكثر الأطراف حضورنا هو ” أنا ” المتكلم ، وهذا يتناسب تماما مع العنوان ، إذ هو كما قلنا إخبار عن الذات … بهذه الصورة نحن أمام حديث ذواتي تنفثه ذات تصف حالها في شكوى أو نداء أو تأس … وكثيرا ما يريحنا الحديث عن كوامن أنفسنا ..إذن نعود – مع حداثة النص بل بالرغم منها – إلى أصالة الشعر في كونه بوحا غنائيا ذاتيا ، فالبوح بحزن النفس للحرف يتم بإسناد كل فعل أو صفة أو اسم إلى أنا المتكلم ، نوع من التصعيد ، وإفراغ شحنات الشجن في الشعر في استعانة بهالة ” الناي ” الدلالية ، أقصد من هذه الناحية يكون ضمير المتكلم منشدا لكلماته ” المحزونة ” مع شجن صوت الناي ، طرب حزين ، وهو معظم تيمات الشعر العربي الغنائي الذي يسمونه جادا … نقول هذا لأن ضمير المخاطب قد حضر تسع مرات فقط ، ولهذا دلالته أن هذا المخاطب حاضر حضور الغائب ، أقصد بلفظ قريب إن لمخاطب مناجى ، منادى ، ومنادى عن بعد ، هو بعد ما بين بوح القصيدة ولهفة الفقد و ” يظل وجهك غامضا ” .. أليس الغموض ضربا من البعد ؟ ضربا من الفقد ؟ ضربا من ” النزف ” ؟؟؟؟ إنّ مجرد استحداث حوار مخاطبة ” مناجاة أو نداء ” بين ” أنا ” حاضرة و” أنت ” غائب هو نوع من البحث عن مفقود ، عن بعيد ، ويتم استحضاره في هالة مما يشبه استحضار الجن أو ” الشعوذة الشعرية ” في جلال من عزف الناي وصلاة قديس .. تدخلنا شاعرتنا في أجواء روحانية غامضة غموض وجه ” أنت ” والوطن … أليست تلك الأجواء الروحية هي في حد ذاتها هروب من اليأس ، وتوق إلى لقاء روحي إذا عزّ اللقاء المادي ، هنا تصبح القصيدة / النداء نشيدا روحيا يتوق إلى ” جلب ” ” أنت ” واستحضاره في قداسة الصلاة وشجن الناي ، فاعزف أيها الناي ، لتعزف الروح معك خيوط وجه المفقود وتقاسم روحه … وليكن اللقاء حتى الاحتراق ، تماما كفراشة تحوم حول بؤر من القبل … ” وأظل مثل فراشة ” ” القبل تطوافها نور .
لكن هذا التوحد الروحي / الشعري ، توحد مختنق إلى حد أن ضمير جماعة المتكلمين ” نحن ” لم يحضر عدا خمس مرات ، قارنه بأنا تجد أن نسبة 5 إلى 17 قليلة ، فالفرد أكثر بكثير من الجمع ، والوحدة أكثر بكثير من الأنس ، والفراشة سـ” تظل تطوف لوحدها ” زمنا لا نعلمه فبه انغلقت القصيدة وانتهت الجولة .. كأن ” نحن ” عسيرة التحقق ، بعيدة المنال حتى في هذا الجو الروحاني التخييلي ، فما أشد عسر التوحد حتى أن “أنا ” عادت عند انغلاق القصيدة للتحددث باسم المستقبل ” المضارع ” فهذا الطواف سيدوم مادام الفعل المضارع متحققا في المستقبل … إذا غلبت الوحدة على الاتحاد في ضمائر النص وضمائر المعنى و ستظل تلك الفراشة تطوف لوحدها … بل إن ضمير الغائب المتعلق بالقديس وصلاته على عزف الناي لم يفرج الكربة ، ولم يخرج ” أنا ” من ” أناها ” . قد لجأت إليه ضميرا غائبا يخلصها التفاتها إليه من ” احتمالات تسفّ كطائر ” … من حلم حتى في الصلاة لا يتحقق … هروب آني إلى الغائب ، ولكنّ ” النزف ” يظل … وهذا تبرره تماما أساليب النص الإنشائية خصوصا :
أساليب الإنشاء : في مقطع واحد وفي تتال إذ تكرر البحث في الإنشاء عن تحقق الخبر ، ” من أين ” و ” قل لي ” و ” يا شيهيد ” و ” وربي ” : استفهام فطلب فنداء فقسم … تكثيف للشوق ، للنداء حتى الرجاء ، للتوكيد حتى القسم ، تكثيف فيه مرارة تخفيها نقط الفراغ في الدوال الشكلية وكأن المعجم يعجز لحين عن تفريغ شحنات المخاطبة في الأساليب الإنشائية الأربعة . بل إنّ البنية الأسلوبية للقصيدة في عمومها قد تراوحت بين وصف الحال خبريا ونداء المحال إنشائيا … فكلما تعلق الأمر بـ” أنا ” كان الإخبار ، وكلما حضر ” أنت ” كان الإنشاء .. لا أريد أن أطيل في البحث عن الدلالات البلاغية للأنشاء والخبر ، فهذا يطيل بنا الأمور كثيرا ، ولكن التراوح بين الأساليب يحمل ذلك القلق ، والقصيدة كلها على قلل ، حتى النهاية التي تبدو حاسمة ” سأظل ” فالحسم فيها حسم فورة روحية ، إذ لا حسم في المضارع إلا على سبيل التوعد ، التوق ، أو في أحسن الحالات التخطيط والزعم ، وما أصعب ا، تتوعد الروح ” الفراشة ” نفسها بالطواف …
في ظل هذا القلق بدا التعقيد في التركيب تقديما وتأخيرا ووصفا وإضافة ، دالا على أو حاملا لهذا التعقيد في الحال ، فكأن القصيدة حلم من هذه الناحية ، وكأن حروفها حكاية لذلك الحلم بما يرد في حكايات الحلم من تقطع وأمور لا تفهم إلا إذا أعدتها إلى سياق الحالم ، وهاك بعضها ” مهب الروح ” ” يزف توقا ” ” من أين أبدأني مدد ” ” رصيف شعره جرحا ثملتُ ” ” الهتون والمطر ” … كا، حالما يحدثنا عما رأى من أضغاث الحلم … ويتناسب كل ذلك مع أجواء الناي وصلاة القديس وطواف الفراشة … فكأن مرد عسر الكتابة عسر الحالة ، وكأن مرد الصورة الشعرية نشأتها في عالم مما فوق الوعي أثناء التوغل الروحي في عالم الفقد والبعد والحوار المناجاة …

مازال الكثير مما يجب أن يقال في نص ثري مفعم شعرا …
قد نعود إلى محاورات قادمة
مع تحياتي لشاعرتنا

الشاعر والناقد القدير محمد الحامدي

 

 

جدلية الأنا-الآخر: نظرة تفكيكية في “آنستُ نايا” للشاعرة القديرة راضية العرفاوي

بقلم: الناقد القدير د.عبد الله حسين كراز /فلسطين

فالصورة التي ترسمها الشاعرة هنا تؤصّل لإحساس شاعري تثيره في مفتتح النص بما تحمله من دلالات تخرج عن المبتذل واليومي. فالذات الشاعرة تنبض بمشاعرها المضطربة، فتقول “أنست” بفعل الأنس والتجمع والتوحد من بعد فراق وبعاد وتشظي، وتحمل الأنا ثقل المشاعر بما حوت وأنبتت جذورها الباطنية، فمصدر الأنس هو “الناي” وليس شئ آخر خارج دائرة السمع والصوت وما يصحبهما، فالشاعرة – كما غيرها من الإنس – بحاجة لصوت مسوع وقوي يبدد وحشتها وعزلتها ولو كانت وجدانية أو نفسية، وبخاصةٍ في تناصها مع القول الديني وبإزاحة الكلمة الأصل “ناراً” لتصبح بفعل الوعي والتجربة “ناياً” تختلف في الدلالة والرمزية والفضاء الشاعري. فالنار لها دلالات الحريق والموت والألم والفناء والتآكل والوجع والعقاب، ومنها دلالات الدفء والحرارة والتحدي والصبر وكل ما توحي به أسطورة النار في العرف التاريخي والثقافي والوعي الجمعي العالمي/الإنساني. ورغم ذكر آنست ناياً بالتجاور إلا أننا نستحضر متعاكسات الفعل والمفعول في هجرت و تركت وغادرت وضيعت وفقدت وعزلت، ما يعني تحيز الشاعرة لفكرة الأنس والتوحد والتلاحم والبحث عن الذات في موسيقى الناي. اما متعاكسات الناي فيتم استحضارها من قاموس الشاعرة نفسها ومن النص ذاته في: الحيرة و الشَّقاء و الجرح و الشهادة والوجع و غيرها. قد تكون الصورة هنا محض واقعية ويومية من وعي الذات الشاعرة بما حولها واستحبابها للناي دون سواه من أدوات العزف والموسيقى وتبديد الصمت والحزن والسكوت.
ثم تصرح القصيدة – والوعي نفسه والتجربة ذاتها بكل طقوسها – بمكان الحصول على فعل الأنس، فهو ليس مكاناً مأمولاً أو طبيعياً للنفس الإنسانية المتظشية والباحثة عن مأوى ومحيط يبدد الوحشة والأحزان والحيرة، وذلك كان في “مهبِّ الرُّوحِ” بكل دلالات الروح التي تعصف بالباطن الشاعرة وتسكب العواطف سكباً في رديف الروح: العقل الكامن في صورة تتفجر منها شاعرية البوح ولا تترك الصيحات هنا – التي ربما تكون صيحات الناي التي تحولت لإنسان يفضي بروح المشاركة والتماهي والتوحد واللقاء والحوار.
ثم ننتقل لحالة تأويلية أخرى تتضح فيها معالم التضاد، ففي “تتلعثم الصيحات” و “يزف توقاً” توتر شعوري ودلالي ينطوي على حالة نفسية من الارتباك والحيرة والتشظي وتكشف عن ثنائية تعاكسية للمعنى والتصريح الشاعري، فالمقصد ألا “تتلعثم الصيحات” بل تخرج سائبةً وسليمة ما دامت تبحث عن مستقر نفسي ووجداني يخرج الذات الشاعرة من “عرش الشقاء” و حالة الجرح التي تنطوي على مفارقة هنا، بحيث تصرح الشاعرة بأنها تمنح الآخر “سند”، حتى لو تطلب أمرها اللجوء أو العودة للبدء كي تعيد تكوين الباطن والذات دون الولوج في عالم الشقاء الجارح:
أعطيكَ من جُرحي سَنَدْ..
يا شهيدَ الوجدِ ..؟ وهنا تقنية التضاد في تجاور “شهيد” مع “حالة “الوجد،” فكان أجدى للذات الشاعرة وأدل على تحقيق حلم التخلص من حالتي الشقاء والجراح وللتوحد مع الآخر وهو حي يرزق لتتحقق الأحلام والآمال في استحضار حالات من الأُنس والحراك الاجتماعي والوجداني، كان أجدى وأدل منها أن تزيح حالة “الشهادة” بحالة أكثر حياة في الواقع ومستثمرة في الدنيا فوق الأرض وليس تحت الأرض في العالم السفلي. وهذا المقترح يستدل عليه من صوت الشاعرة المنطوي على اعتراف قوي وصريح بحالة التراسل الدلالي والتعبيري في:
“شاعرةٌ وربِّي” و “مازلتُ شاعرةً بنا” و “أهديكَ عطرَ تَبَسُّمي” و “وأعدُّ زنبقةً و مِنديلاً”. فهنا خلق لحالة توتر جديدة في فضاء النص عندما يتغير صوت البوح الشاعري من “مهب الروح” إلى “محطة الوجع” – ليس الوجع المتسفحل والمستدام – بل الوجع الذي يتم أنسنته ويهرب شريداً طريداً، وهو ما يبدد الوجع الفعلي في باطن الشاعرة وعالمها الجواني:”
أعدُّ محطّةَ الوجعِ الشريدِ
زما سبق يدخل عالماً آخر من التوترات النصية والسياقية التي توظفها الشاعرة للدلالة على عالمها النفسي والاجتماعي والوجداني، وذلك حين تصرح عن ذاتها وكينونتها بأنها “خضراءَ ما مُسَّت بسوءٍ”، مخالفاً للموقف الشعوري والشاعري الأول، ويدعم رؤية الشاعرة هنا رؤية إنبات “العشب” للسؤال الذي لا مناص منه:
يَنبتُ العُشبُ السؤالُ
وثنائية طارئة ودالة على نفسية تتأزم وتتشظى في:
بصهيلِ موجٍ صاخبِ التِّحنانِ
بحيث تتجاور – في ثنائية تنطوي على تعاكس وتضاد – مفردتا الموج الموصوف بأنه صاخب، ليس للإغراق والموت، بل للتحنان والتواصل. وفي صهيل الموج صورة شاعرية تجسد فيها الشاعرة موج البحر بحصان /حصن تصهل، وتبعث الصورة هنا على حالة أخرى من التوتر وإراهاصات التأزم النفسي والوجداني، لذا تواصل الشاعرة بوحها بوعي مطلق بالحالة التي تستدعي المزيد من البوح والتحدث والحراك، ولكن هذه المرة “خلفَ ستائرِ الكونِ التي تتهامسُ اللحنَ العجيبَ” وبحيث تجعلها بكل أريحية “تغوصُ في أعماقِنا” مثل “(شالٍ) من الضوءِ الحميمِ “.والصور المتراسلة هنا تبعث على مزيد من التوتر بين المفردة ودلالاتها والآخرى وإيحاءاتها ومغازيها. ففي غوص الستائر التي تحولت لشخوص تتهامس ولأدوات موسيقية تعطي النفس ما فيها من ألحان عجيبة، مع تجاور يبعث على الغرائببة والدهشة وعدم التصديق مع “شال الضوء الحميم.”ثم التحول المفاجئ في استحضار مفردات تتضاد فيما بينها عندما ترسم الشاعرة صورة أخرى لواقعها النفسي والوجداني – وبكل ما تحمله من مشاعر إنسانية، قد تكون لغيرها وفي غيرها – فالصمت بطل الموقف الذي يُؤنْسنُ ليحضن الذات الشاعرة ويغلف مشاعرها وأحاسيسها كي لا يكون البوح عيباً أو مجروحاً أو جارحاً، يتجاور مع صخب المطر وصوته المتنوع:
يضُمُّنا صمتٌ ثَمِلْ.

و المطرَ الهتونَ

وفي التعبير اللاحق للصور السابقة، تخلق الشاعرة حالة جديدة من التضاد والتوتر في الدلالة والرمزية، حين تصرح:
مثلَ صلاةِ قدّيسٍ حزينٍ
يعزف النأيَ
وتنطوي على تواصل حالة التشظي والتأزم والتوتر العاطفي والوجداني، والمصاحب للجسدي أو الميكانيكي:
وبعد أن تخلق فينا الشاعرة أملاً في التلاقي والتوحد، تتجه بوصلة النص نحو معترك جديد للبوح المنطوي على توتر وتضاد وتعاكس، وذلك حين تقول:
و يظلُّ وجهُكَ
غامضاً مثلَ الوطنْ.
فكيف يكون الوجه المأمول بإشراقته وبشراه وأمل التبدل والتغيير عامضاً، ثم كيف يكون هكذا للوطن، لذا أرى أن الصورة هنا لا تنطوي فقط على غرائبية ودهشة وحيرة، بل على تعاكس في البوح مع ما يسكن الباطن والنفس والعقل.
وفي المقطع الأخير الذي كا يجب أن يخلصنا ومن حالات التوتر المتواترة والمتزايدة والمتوسعة أو الممتدة بين نهارات الشاعرة ولياليها، تواصل الشاعرة باجترار صوراً أخرى متواترة ومتوترة حين تعزف على ورق النص ألحان النزف الغائر الذي تحول في عرفها الشاعري إلى نغم يبدد صمت المكان والزمان:
و يظلّ نزفُكَ
غائراً مثلَ النَّغمْ.
وتوتر أخير في التصريح باستسلام الشاعرة ورضاها بأن تكون مثل “فرشة” تنعم بالحرية والاستقلال والكينونة وتستمتع بطبيعتها الخلابة أينما ولت وجهها، ولكن أيضاً بعالم مسكون ب”نور القبل”، ويكفي الذات الشاعرة تلك النتيجة والحلم المتحقق في “فراشة… تطوافها نور القبل”:
و أظلُّ مثل فراشةٍ
تطوافها نورُ القُبَلْ.

أخيراً، لقد جسدت الشاعرة منحنىً تقنياً وشاعرياً وفكرياً قالت فيه وعنه ما يعتمل في هواها وخيالها وعالمها الباطني والنفسي والواقعي، موظفة وإلى حد معقول تقنية التجاور المنطوية على ثنائيات متعاكسة، ما خلق حالات من التوتر في المعنى والدلالة، ولكنها تركت لنا نوافذ نحو عالمها الشعري/الثيماتي كي نسمع فيه صوتها ونحس نبضها حد التماهي والتوحد ونقول أن أناها هي الآنا الجمعية في الوعي الجمعي والإنساني، محبذةً في ذلك التركيز على إراهاصات التشظي والتوتر والحيرة والجراح والحلم المتصاعد في الخلاص وتطهير النفس مما اعتارها أو اعتورها.

الأديب والناقد د.عبدالله حسين كراز

أستاذ الأدب الإنجليزي الحديث والنقد المقارن ،جامعة الأزهر غزة-فلسطين


* نشرت في قناديل الفكر والادب وفي ملتقى الأدباء والمبدعين العرب

عندما يكي اللون أنات الغياب ونزيف الوطن ..

1
عندما يحكي اللون أنات الغياب ونزيف الوطن ..
مجموعة ( ترنيمات الأزرق ) – راضية العرفاوي – تشكيل تقنية الكمبيو

2

3

4

5

6

7

 

ما تقوله الزرقة في أذن السجن
عن مجموعة ( ترنيمات الأزرق )

للتشكيلية والشاعرة التونسية راضية العرفاوي

بقلم :محررة فراديس الكاتبة السعودية ضياء يوسف

منذ الإنسان وملامح التشكيل يمكن طرحها بأكثر من طريقة تتجاوز تاريخ الحضارة لجوهر التعبير وتتجاوز محدودية التقنية لفضاء أرحب من القول والعمل .

التشكيلية والشاعرة راضية العرفاوي في مجموعتها التشكيلية (ترنيمات الأزرق )
تخرج عن عادة الأنابيب والفراشي في نسج سيرة اللون لتأخذ بللتها شكل الطابعة
وليأخذ كمبيوترها روح الأصابع وسكاكين التلوين وضربات الشعر الرقيق على النفس ..
بمهارة عالية لا يمكن أخطاءها .

لعل اللون في دلالته الجزئيه في نطاق التعبير ما هو إلا نوع من الشعر الذي يقال بلسان بصري .. كل فنان يعمل على صناعة كائن أو أكثر يكشف لنا باللون عن وجوده ..
راضية العرفاوي التونسية الأجمل تجمع البصر المحسوس لتصنع من اللون ذاته كائن يقول عن تواجدنا نحن في إيقوناتها الزرقاء التي أحب جدا أن أسميها طعنة الزرقة التي تحمل من الدلالات ما يساعد على البحث والنزف معا .

على سبيل الإنسان لو أنصتنا قليلا لبث زرقتها لن نُجهد كثيرا في إدراك صوت الزرقة يحاور أذن السجن / صوت الروح يخاطب الجسد.. يقول له آهته .
تستعير الحضور والقوة ولنقل قسوة حضور الزرقة وطغيانها من هيمنة السماء ولجاجة المحيطات المسيطرة على كوكب علمه الأزرق . ..
لكنها تدفع من خلال كل هذا بعلامة جديدة زرقاء لها ذات الضخامة/ اسمها الإنسان..

للغرابة / في ترنيماتها لا يخترق برود الزرقة معناها بجمود جليده بقدر ما يبعث
حرقة تشتعل بهدوء تبث حزنها في اطار اللوحة كـأن لا حياة في هذا الداخل
لغير الأزرق الكثيف حزنا وحصارا .

في مجموعتها تتوالى رموزها رغم أنها تحرث اللوحة بمحراث واحد تقريبا
حتى إذا جرحت اللوحة وسال دمها توقفت عن نبش داخلها ..
وكأن الزرقة أحدّ مبضع وأسرع ما يمكن النبش به في جلدة الدم .

قد يتبادر لنا من خلال لوحاتها أن الحمرة كائن قائم بحد ذاته يرتدي الأزرق من شدة البرد
فلا يكاد يبين بعضه .. ويجعل البصر في الصقيع خارج رداءه الأزرق .

كمتلقين سنتمكن ببساطة ونحن نمسك بها متلبسة بالهذيان تحلل النص الشعري إلى ضوء ثقيل كثيف يأخذ بيد السجن لقبضة الروح ..
ويأخذ الروح لسوداوية القيد الذي هو قدرها منذ تعليق طيرها بقفص الجسد.

رغم أن الزرقة لون الماء الذي تكثف فحمله كتف الهواء ورغم أنه لون البلل إلا أن زرقتها تخفف من حضور كل شيء فيها وتتكثف هي بحيث تبدوا ثقيلة ثقل الآهة التي لا تمضي لمستقر الخروج كأنها الغصة تتضخم فلا تُبلع كأنها الحزن بأوضح أشكاله ..بأعقدها وغولا بأكثر حالاته بديهية .

دائما في المنمنمات هناك ما يحدث في الجهة اليسرى من الصدر , هذا الموت الأزرق المتواتر على وشك أن يبدأ نزعه ..لكنه لا يبدؤه وبعد في الظلال كلام يقال يقف فيما بين كثافة البدء وكثافة الانتهاء .. يبقى أمله لطخ النزف ويبقى موته في القضبان الـ تُنشب استقامتها في لحم الماء .. فيأمل بالخلاص بـ لطخ أمله .

راضيه العرفاوي تحقن العين بقصائد رقيق حزنها ..
بالدمعة التي بحجم الحياة على اعتبار أن اللوحة حياة كاملة وعمر يبدأ وينتهي في الأضلع الأربع المسننة .. وعلى اعتبار أن لا فاصل يحد من كتلة أزرقها أو يحلحل تماسكه .

لن نوغل في الذهاب بعيدا عن ذواتنا إذا ما غرقنا في ذاتها ..فنحن في أسفل دمعها لا نتنفس غير ماء الروح الذي كلنا فيه سواء .. وكلنا في قيد طينه سواء .. وكلنا في أسماله عيون يفيض بصرها بدمع لا يُرى تتفانى راضيه بجعله مرئيا للعين والقلب معا .

وعلى سيرة الغرق بقي أن أقول بعد أن ثقافة العطش من شأنها أن تلد في الأماني غابات الماء حتى إذا ما تشكلت في ذهن السجن غرفنا نحن في نعماء البلل غرقا يمكننا من المكوث في التمني أكثر ..ومن إطالة عمر الغابات .

راضية العرفاوي في مجموعتها تختصر اللين الذي في أوان تصلبه ..
وتختصر الارتواء في أزمان تقشفه وتجعل من الدنيا إمبراطورية موغلة في التطرف ..
تقول بوضوح سافر . و.بلغة واحدة إنسانا جديدا يختصر عمق المحيطات وحزن السماء في وجوده / الحياة ..
في حياته ../ الوجود ! . .

 http://www.alwjh.net/frades/ff118.htm

 

Older Posts »

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.